العباءة تدخل خزانة الأمريكية: قصة صعود الأزياء العربية المحتشمة في قلب الموضة الأمريكية
Photo by Photo by Abdul Raheem Kannath on Unsplash on Unsplash
في أحد محلات التسوق الراقية في مانهاتن، وقفت سارة كوهين أمام عباءة سوداء مطرّزة بخيوط ذهبية دقيقة وقالت لصديقتها: "هذا هو أجمل شيء رأيته هذا الموسم." سارة ليست مسلمة ولا عربية، لكنها كمصممة جرافيك تتذوق الجمال في أشكاله المختلفة، وما رأته أمامها كان تحفة فنية قبل أن يكون لباساً.
هذا المشهد يتكرر بأشكال مختلفة في أرجاء الولايات المتحدة، من بوتيكات بروكلين الصغيرة إلى متاجر رودو درايف الفاخرة. الأزياء العربية المحتشمة لم تعد حكراً على مجتمع بعينه؛ إنها تشق طريقها بهدوء وثقة إلى قلب صناعة الموضة الأمريكية.
الأرقام التي لا تكذب
سوق الأزياء المحتشمة عالمياً يُقدَّر حالياً بأكثر من 280 مليار دولار، وفق تقارير صادرة عن مجلة Business of Fashion، مع توقعات بأن يتجاوز 400 مليار بحلول عام 2030. والسوق الأمريكية تحتل مكانة متصاعدة في هذه المعادلة، مدفوعة بعوامل متعددة أبرزها: الجالية العربية والمسلمة المتنامية، والاتجاه العام نحو الموضة المستدامة والمعتدلة.
ما يلفت الانتباه هو أن المستهلكين الأمريكيين الذين يتجهون نحو هذه الأزياء ليسوا جميعهم من خلفيات دينية أو ثقافية شرقية. جزء كبير منهم يبحث ببساطة عن ملابس أنيقة ومريحة وذات طابع مختلف، وهذا بالضبط ما تقدمه الأزياء العربية المحتشمة.
المصممون العرب الذين يرسمون خريطة جديدة
في مقدمة هؤلاء الرواد، تقف ريم عكرا، المصممة اللبنانية التي أسست دار أزياء تحمل اسمها في نيويورك وباتت تُلبّس أيقونات هوليوود وحفلات الأوسكار. أسلوبها يجمع بين الأناقة الشرقية والحداثة الغربية بطريقة تجعل كل قطعة تروي قصة.
وتبرز أيضاً الجزائرية الأمريكية ليلى أحمدي، التي أطلقت في شيكاغو علامة تجارية متخصصة في العباءات العصرية تحت اسم "سحر". تبدأ أسعار قطعها من 150 دولاراً وتصل إلى ما يتجاوز ألف دولار للقطع المطرّزة يدوياً، وقائمة انتظار عملائها تمتد لأشهر.
"في البداية، توقعت أن يكون زبائني في معظمهم من الجالية العربية"، تحكي ليلى. "لكن بعد سنة واحدة، اكتشفت أن ثلاثين بالمئة من طلباتي تأتي من نساء أمريكيات من خلفيات مختلفة تماماً. بعضهن يرتدن العباءة للعمل كنوع من الأناقة الهادئة، وبعضهن للحفلات والمناسبات."
الحجاب: من إشكالية إلى إلهام
إذا كانت العباءة قد نجحت في اقتحام خزانة الأمريكية، فإن الحجاب يسير على درب أكثر تعقيداً لكنه لا يقل إثارة. المصممات المحجبات في أمريكا لم يكتفين بارتداء الحجاب، بل حوّلنه إلى بيان موضة كامل.
هاليمة عدن، الصومالية الأمريكية التي ترعرعت في مينيسوتا، كانت أول عارضة محجبة تظهر على غلاف مجلة Vogue الأمريكية عام 2017، وكانت تلك لحظة تحوّل حقيقية. اليوم، تعمل كمصممة ومدافعة عن الموضة الشاملة، وتتعاون مع علامات تجارية كبرى لتطوير خطوط ملابس تراعي تنوع الجسد والهوية.
على صعيد آخر، تنتشر على إنستغرام حسابات مئات المؤثرات المحجبات اللواتي يثبتن يومياً أن الحجاب والأناقة ليسا نقيضين. حسابات مثل "Modest Street Style" و"HijabFashionInspiration" تجمع ملايين المتابعين من خلفيات متنوعة.
الاستدامة كنقطة التقاء
أحد الأسباب غير المتوقعة لصعود الأزياء العربية المحتشمة في أمريكا هو ارتباطها بحركة الموضة المستدامة. الجيل الأمريكي الجديد، خاصة جيل Z، يبتعد عن الموضة السريعة ويبحث عن قطع ذات قيمة حقيقية تدوم طويلاً.
العباءات المصنوعة يدوياً، والأقمشة الفاخرة المستوردة من الشرق الأوسط، والخياطة الحرفية التقليدية: كل هذه عناصر تتقاطع تماماً مع ما يبحث عنه المستهلك الأمريكي الواعي بيئياً واجتماعياً.
تقول أستاذة الموضة المستدامة في معهد FIT في نيويورك، الدكتورة مونيكا غريكو: "الأزياء المحتشمة بطبيعتها تميل إلى الجودة والدوام. لا تتبع الموضة الموسمية السريعة، بل تبني هوية ثابتة. وهذا تماماً ما تبحث عنه الأجيال الجديدة."
تحديات لا يمكن تجاهلها
بالطبع، الطريق لم يكن مفروشاً بالورود. المصممون والمصممات العرب في أمريكا يواجهون تحديات حقيقية، أبرزها: التحيزات الثقافية التي تضع الحجاب أو العباءة في خانة "الديني" فقط بعيداً عن خانة "الأزياء"، وصعوبة الوصول إلى التمويل والتوزيع في سوق تهيمن عليه علامات تجارية غربية راسخة.
لكن هؤلاء الرواد يرفضون الاستسلام. يستخدمون السوشيال ميديا لبناء جمهورهم مباشرة، ويتحالفون مع بعضهم البعض لتشكيل شبكة دعم قوية، ويشاركون في معارض الموضة المحلية والدولية بثقة متصاعدة.
صورة جديدة للأناقة العربية
ما يحدث اليوم في عالم الموضة الأمريكية هو أكثر من مجرد اتجاه موسمي. إنه إعادة صياغة لمفهوم الأناقة نفسه، توسيع لدائرة الجمال لتشمل ما كان مُهمَّشاً أو مُتجاهَلاً.
حين ترتدي شابة أمريكية من ولاية أوريغون عباءة مطرّزة في حفل زفاف صديقتها، أو حين تختار مصممة من أتلانتا قماشاً خليجياً فاخراً لتصميم فستانها الخاص، فإنهما لا تلبسان فحسب، بل تُشاركان في حوار ثقافي عميق يُثري الجميع.
وفي نهاية هذا الحوار، يبدو أن الفائز الأكبر هو الموضة نفسها، التي تزداد ثراءً وتنوعاً كلما فتحت أبوابها على مصراعيها لأصوات كانت تطرق عليها منذ زمن طويل.