حين تحوّل الرقص الشرقي إلى لغة عالمية على شاشات تيك توك الأمريكية
Photo by Photo by Anshul Kaushik on Unsplash on Unsplash
كانت لارا منصور، الشابة اللبنانية الأمريكية المقيمة في لوس أنجلوس، تتردد كثيراً قبل أن تنشر أول فيديو لها وهي ترقص على أنغام أم كلثوم. كانت تخشى ردود الفعل، تخشى التنميط، وتخشى ألا يفهم الجمهور الأمريكي ما تحاول قوله. لكن الفيديو حصد في أقل من ثلاثة أيام أكثر من مليوني مشاهدة، وغمرتها التعليقات بالإعجاب من فتيات في تكساس وأوهايو وحتى كندا يسألنها أين يتعلمن هذا النوع من الرقص.
"لم أتوقع هذا أبداً"، تقول لارا. "ظننت أن الناس سيرون شيئاً غريباً، لكن ما حدث هو العكس تماماً. الجميع كان فضولياً، ومتشوقاً، وكأنهم اكتشفوا عالماً كاملاً لم يعرفوه من قبل."
من الصالات إلى الشاشات: رحلة الرقص الشرقي الرقمية
الرقص الشرقي ليس وليد اليوم. له جذور تمتد لآلاف السنين عبر مصر وبلاد الشام والمغرب العربي، وكان دائماً تعبيراً عن الفرح والاحتفال والهوية. لكن ما تغيّر في السنوات الأخيرة هو الوسيلة التي يصل بها إلى الجمهور.
منصة تيك توك، بخوارزميتها الذكية التي لا تفرق بين لغة وأخرى أو ثقافة وأخرى، أتاحت للراقصين العرب في أمريكا فرصة غير مسبوقة للوصول إلى جمهور لم يكن في متناولهم من قبل. وبينما كان الترفيه العربي في الولايات المتحدة محصوراً في مجتمعات بعينها، بات اليوم يتجاوز كل الحدود.
الأرقام تتحدث عن نفسها: هاشتاق #BellyDance وحده تخطى عتبة المليار مشاهدة على المنصة، في حين تجاوز هاشتاق #OrientalDance المئة مليون. والأهم من الأرقام هو نوعية المشاركين، إذ يضم هذا المجتمع الرقمي راقصين من خلفيات متنوعة جداً، كثير منهم لم يسبق لهم أي تواصل مع الثقافة العربية.
نجوم عرب يُعيدون تعريف الهوية
من بين الأسماء التي صنعت فارقاً حقيقياً في هذا المشهد، تبرز نور الحداد، الراقصة المصرية الأمريكية المقيمة في نيويورك، التي بنت قاعدة متابعين تتجاوز مليوني شخص عبر مزجها بين حركات الرقص الشرقي الكلاسيكي وإيقاعات الهيب هوب والبوب العالمي.
"أنا لا أبيع الاستشراق ولا أقدّم نسخة مُجمَّلة من ثقافتي لإرضاء الغرب"، تؤكد نور بحزم. "ما أفعله هو أن أُريهم من أنا فعلاً، بكل تعقيد هويتي. أنا بنت القاهرة وبنت بروكلين في آنٍ واحد، وهذا ما يعكسه رقصي."
أما سامي الراشد، الراقص السعودي الذي يقيم في ميامي، فقد اختار مساراً مختلفاً بعض الشيء. تخصص في رقصة العرضة الخليجية وأسلوب الدبكة الشامية، وحوّلها إلى محتوى تعليمي ترفيهي يشرح فيه أصول كل حركة وتاريخها. قناته باتت مرجعاً لآلاف الأمريكيين الذين يريدون فهم ما يشاهدونه لا مجرد التسلية به.
كسر الصور النمطية بخطوة واحدة في كل مرة
ما يجعل هذه الظاهرة أكثر من مجرد ترند عابر هو أثرها الثقافي العميق. لسنوات طويلة، ارتبطت صورة المرأة العربية في الإعلام الغربي بنمط محدود ومُختزل، إما ضحية أو رمز إثارة مستشرقي. الرقص الشرقي على تيك توك يكسر هذا القالب بشكل عملي وحيّ.
تقول الدكتورة سمر خليل، الباحثة في الدراسات الثقافية بجامعة ميشيغان، إن "ما نشهده ليس مجرد انتشار لنوع من أنواع الرقص، بل هو عملية إعادة تمثيل ثقافي تقوم بها النساء العربيات أنفسهن، بشروطهن وبسردياتهن الخاصة. وهذا أمر ذو قيمة لا تُقدّر."
كثير من الراقصات يُشدّدن على أن رقصهن ليس دعوة للتبرج أو الإثارة، بل هو تعبير عن القوة والجمال والتراث. وهذه الرسالة وصلت بوضوح لجمهور أمريكي كان يحمل في أحيان كثيرة أفكاراً مسبقة عن المرأة العربية.
الدروس تتدفق والمدارس تمتلئ
الظاهرة لم تبق في الفضاء الرقمي فحسب. في مدن أمريكية كبرى مثل شيكاغو وهيوستن وسياتل، شهدت استوديوهات الرقص الشرقي ارتفاعاً ملحوظاً في الإقبال خلال السنتين الأخيرتين. كثير من المسجّلين في هذه الدورات هم من غير العرب، جاؤوا بعد أن شاهدوا فيديو ما على تيك توك وأراد أجسادهم أن تتحرك بنفس الطريقة.
هذا ما تعيشه ريم بدر، التي تدير استوديو للرقص الشرقي في دالاس منذ ست سنوات. "قبل تيك توك، كان معظم طالباتي من الجاليات العربية. الآن، نصف الفصل من خلفيات مختلفة تماماً: لاتينية، أفريقية أمريكية، آسيوية، وأمريكية بيضاء. وجميعهن يقلن إنهن اكتشفن الرقص الشرقي عبر السوشيال ميديا."
حوار بين الثقافات لا أحادية الاتجاه
ما يميز هذه الموجة عن موجات سابقة من الاهتمام الغربي بالرقص الشرقي هو أنها تفاعلية وليست استهلاكية. الجمهور الأمريكي لا يشاهد فحسب، بل يشارك ويسأل ويتعلم. وهذا بدوره يدفع الراقصين العرب إلى التعمق أكثر في شرح ثقافتهم وتراثهم.
لارا منصور، التي بدأت قصتنا بها، باتت اليوم تنظم ورش عمل شهرية في لوس أنجلوس تجمع فيها بين الرقص والطهي العربي وحكايات الجدات. "الرقص كان البوابة"، تقول بابتسامة. "لكن ما يدخل منها الآن هو شيء أكبر بكثير: تفاهم حقيقي وصداقات حقيقية وفضول حقيقي نحو من نحن."
وفي نهاية المطاف، ربما هذا هو السحر الحقيقي لما يحدث على تيك توك. ليس مجرد فيديوهات ترفيهية تُشغَّل ثم تُنسى، بل هي خطوات رقص تحمل معها قصصاً وثقافات وهويات، تسافر عبر الشاشات لتُلقي بجذورها في أرض جديدة.